الشيخ داود الأنطاكي
151
النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان و تعديل الأمزجة
الأدخنة بخلاف الصيف . وقواه الملطي ، وهو ضعيف ؛ لأن حرارة الشتاء في الأرض قوية تصعد البخار الغليظ ، ولأن جهة الشمس يندفع منها ما فيها إلى المقابل ، وهو قريب من أهل الشتاء فضرره أشد ، ومن ثم يشتد تلون السحاب في الشتاء . وأما الصيف ، فإنه وإن اشتد فيه الدخان في الجو ، فللهواء قدرة على تمزيقه لشدة حرارته ، هذا ما قاد إليه الدليل ، على أني لا أرى المذهبين ، فإن الأصح عندي : أن المطر متى تقاطر وكان الهواء صافياً والجو في غاية النقاء فذلك الماء هو الأجود ، في أي فصل كان إذ الطوارئ غير مضبوطة . وكلام المعلم يرشد إلى ذلك ، وأظن أن المعربين أغفلوه في التراجم . وشرط هذا الماء أن يؤخذ قبل مكثه ، بأن لا تغيره الاهوية والدراري « 1 » والأرض . ويليه ماء النهر المكشوف الجاري من البعد والعلو إلى الشرق في الشمال في طين حُر محجر صلد ، البارد في الصيف الحار في الشتاء النقي الأحجار المهري ؛ لما يطبخ فيه بسرعة الخفيف الوزن . قالوا : وقد جمعت هذه الشروط في نيل مصر دون غيره فهو أجود مطلقاً ، ويليه ما جمع أكثرها ويضاده المخالف في الكل . ويليه ماء العين ، وهو الخفيف الحركة المتزايد بالاخذ منه . وقال الملطي : ماء العين أفضل مطلقاً . والظاهر : انه أراد بالعين النهر ، وعليه تسهل المناقشة . ثم ماء الآبار ، وهي الحفائر التي تدفع الماء نزاً ، هذا إن كثر استعمالها والا فهي رديئة ، وما عدا المذكورات فاسد . وأردأ الماء ما استتر عن الشمس ، أو جرى في الرصاص أو خالط تربة كبريتية أو زاجية أو مكث في مقره أو تروح بضار ولو في ممره . وقال الملطي : إن المستور عن الشمس أفضل من البارز لها . وهذا غير صحيح على اطلاقه ؛ لأن الشمس محللة ملطفة . نعم ، إن طال مكثه كان ضاراً ؛
--> ( 1 ) الدراري : جمع درّي ، وهو الكوكب المضيء . وقال الفراء : والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تُعَرف أسماؤها بالدراري . ( محيط المحيط ) . )